العيني
14
عمدة القاري
إنه خص منه المقتدي الذي أدرك الإمام في الركوع فإنه لا يجب عليه القراءة بالإجماع ، فتجوز الزيادة عليه حينئذ بخبر الواحد . فإن قلت : قد حمل البيهقي في ( كتاب المعرفة ) حديث : ( من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له ) ، على ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام ، وعلى قراءة الفاتحة دون السورة ، واستدل عليه بحديث عبادة بن الصامت المذكور قلت : ليس في شيء من الأحاديث بيان القراءة خلف الإمام فيما جهر ، والفرق بين الإسرار والجهر لا يصح لأن فيه إسقاط الواجب بمسنون على زعمهم ، قاله إبراهيم بن الحارث فإن قلت : أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام ) ، فهدا يدل على الركنية قلت : لا نسلم ، لأن معناه : ذات خداج ، أي : نقصان ، بمعنى : صلاته ناقصة ، ونحن نقول به ، لأن النقصان في الوصف لا في الذات ولهذا قلنا بوجوب قراءة الفاتحة . فإن قلت : قوله تعالى : : * ( فاقرؤا ما تيسر ) * ( االمزمل : 20 ) . عام خص منه البعض ، وهو ما دون الآية ، فإن عند أبي حنيفة : أدنى ما يجزئ عن القراءة آية تامة ، لأن ما دون الآية خارج بالإجماع ، فإذا كان كذلك يجوز تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس أيضا قلت : القرآن يتناول ما هو معجز عرفا ، فلا يتناول ما دون الآية ؟ فإن قلت : روى أبو داود : حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى حدثنا جعفر عن أبي عثمان عن أبي هريرة ، قال : ( أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه : لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد ) . قلت : هذا الحديث روي بوجوه مختلفة ، فرواه البزار ولفظه : ( أمر مناديا فنادى ) . وفي كتاب ( الصلاة ) لأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف : لا صلاة إلاّ بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد وفي ( الصلاة ) للفريابي : ( أنادي في المدينة أن : لا صلاة إلاّ بقراءة أو بفاتحة الكتاب فما زاد ) وفي لفظ : فناديت : ( أن لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب ) وعند البيهقي : ( إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد ) وفي ( الأوسط ) : ( في كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب ) ، وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة ، بل غالبها ينفي الفرضية ، فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلاّ بالفاتحة دلت الأخرى على جوازها بلا فاتحة ، فنعمل بالحديثين ، ولا نهمل أحدهما بأن نقول بفرضية مطلق القراءة ، وبوجوب قراءة الفاتحة ، وهذا هو العدل في باب أعمال الأخبار ، وأيضا في حديث أبي داود المذكور أمران : أحدهما : أن جعفرا المذكور في سنده هو جعفر بن ميمون فيه كلام حتى صرح النسائي أنه : ليس بثقة . : والثاني : أنه يقتضي فرضية ما زاد على الفاتحة ، لأن معنى قوله : ( فما زاد ) ، الذي زاد على الفاتحة ، أو بقراءة الزيادة على الفاتحة ، وليس ذاك مذهب الشافعي ، وقد روى أبو داود من حديث عبادة بن الصامت يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا ) . قال سفيان : لمن يصلي وحده . قلت : معناه : لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب زائدة على الفاتحة ، وقال سفيان ، هو ابن عيينة أحد رواة هذا الحديث ، هذا لمن يصلي وحده ، يعني في حق من يصلي وحده ، وأما المقتدي فإن قراءة الإمام قراءة له ، وكذا قاله الإسماعيلي في روايته : إذا كان وحده ، فعلى هذا يكون الحديث مخصوصا في حق المنفرد فلم يبق للشافعية بعد هذا دعوى العموم . وحديث عبادة هذا أخرجه البخاري كما ذكر وليس فيه لفظة : فصاعدا . فإن قلت : قال البخاري في ( كتاب القراءة خلف الإمام ) : وقال معمر عن الزهري : فصاعدا ، وعامة الثقات لم تتابع معمرا في قوله : فصاعدا ؟ قلت : هذا سفيان بن عيينة قد تابع معمرا في هذه اللفظة ، وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعي وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم كلهم عن الزهري فإن قلت : أخرج أبو داود عن القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن . . . ) الحديث ، وقد ذكرناه عن قريب ، وفيه : ( فقلت : يا أبا هريرة إني أكون أحيانا وراء الإمام ، قال : فغمز ذراعي وقال : إقرأ بها في نفسك يا فارسي . . . ) الحديث ، والخطاب لأبي السائب . وقال النووي : وهذا يؤيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم ، ومعناه : إقرأها سرا بحيث تسمع نفسك . قلت : هذا لا يدل على الوجوب ، لأن المأموم مأمور بالإنصات لقوله تعالى : * ( وأنصتوا ) * ( الأعراف : 204 ) . والإنصات : الإصغاء ، والقراءة سرا بحيث يسمع نفسه تخل بالإنصات ، فحينئذ يحمل ذلك على أن المراد تدبر ذلك ، وتفكره ، ولئن سلمنا أن المراد هو القراءة حقيقة فلا نسلم أنه يدل على الوجوب ، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات ، ومنهم من استحسنها في غير الجهرية ، ومنهم من رأى ذلك